سؤال الذات: تحليل نص والمعاني باقيات

  


نموذج تحليل نص شعري:           والمعاني باقيات       



عبد الكريم بن ثابت.

1. وضع النص في سياقه الأدبي والفني: 

   شهد العام العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر ظهور حركات فكرية وأدبية، كان وكدها تطوير الخطاب الشعري وتفعيل دوره كأداة تعبيرية تستوعب متغيرات العصر ومستجداتها.

 ولأن الخطاب الإحيائي الذي تصدر هذه الحركات لم يعد قادرا على استيعاب خصوصية المرحلة، فقد ظهرت الرومانسية كمذهب شعري، توخى تحرير الإنسان والتطلع به إلى عالم مثالي تؤثث فضاءاته الطبيعة،  وتطوير القصيدة العربية عبر آلية التركيز على الذات، وتحريرها من التبعية لسلطة الآخر من خلال التحرز من الأشكال التعبيرية القديمة.

   وقد اتسمت خطاباتها عموما بالميل نحو توظيف معجم متداول مألوف، وتشييد الوحدة العضوية، إضافة إلى الجمع بين النسق العروضي الكلاسيكي والثورة عليه. لكن رغم سلامة الأسس التي قامت عليها، ومشروعية الأهداف التي كانت تروم تحقيقها، إلا أن الاختلاف بدا واضحا بين مدارسها واتجاهاتها ( الديوان، أبولو، والمهجر) في مدى التزامها بهذه المواضعات.

    وعلى العموم، فقد مثل هذا الاتجاه شعراء رواد، يمثلون هذه المدارس، كجبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، العقاد والمازني، إلى جانب عدد من الشعراء العرب الذين تمثلوا هذه التجربة الشعرية، ومن بينهم، في المغرب، عبد الكريم بن ثابت صاحب هذه القصيدة.

2. إشكالية التحليل: 

  • فما مضمون النص؟
  • وكيف نقله الشاعر فنيا؟
  • وإلى أي حد يعكس النص مواضعات المدرسة الرومانسية؟

   3. صياغة فرضية لقراءة النص: 

  بالنظر إلى عتبات النص الخارجية، والعنوان في مقدمتها، نفترض أن النص يندرج ضمن خطابات سؤال الذات. فالعنوان ينفتح على قراءات متعددة، أرجحها قائم على تقدير مركب اسمي محذوف قبل واو العطف، مفاده أن " الماديات فانيات والمعاني باقيات "، وهي قراءة، قائمة على خاصية الثنائيات الضدية التي تميز الخطابات الرومانسية. 

   ويدعم هذا الافتراض، مشهد القصيدة الفيزيائي الذي يعكس ثورة الرومانسيين على الشكل العمودي التقليدي وعلى الأنساق العروضية التراثية. وبناء على هذا الافتراض، نتوقع وحدة موضوعية تشكل عماد النص وقوامه، وحضورا مكثفا لحقل الذات مقارنة بحقل الآخر.

4. تكثيف المعاني الواردة في النص: 

   لقد ورد النص على شكل حوار بين الشاعر وذاته، حول موضوعات تتعلق بمراحل حياة الشاعر، يبحث من خلالها عن مظاهر الدوام والخلود، إلا أنه يواجه بسخرية النفس عند نهاية كل مقطع شعري. 

5. المعجم: 

  وإذا كان النص بهذا المعنى يعكس طبيعة التناقض الذي يقوم عليه مضمون القصيدة، رغم الانسجام الذي قد يوحي به مستهل القصيدة، فإن مختلف المقاطع الشعرية تعكس في المقابل، نوعا من التماهي بين الشاعر والطبيعة، عندما حاول أن يسقط مراحل حياته على فترات زمنية محددة ( الصبح، الضحى، المساء، الليل)، وهي فترات، وإن طال بقاؤها فمآلها إلى الفناء والزوال.

   والنص بهذا المعنى، تأمل فلسفي في الوجود الإنساني، وتعبير عن موقف الشاعر من الحياة والموت، ومن مصير الإنسانية جمعاء، موقف تبلور عبر ولوج عالم الرومانسية ومساءلة الذات، وتلك خاصية من خصائص المدرسة الوجدانية.

   ورغم أن القصيدة تعبير وجداني فلسفي عن رؤية ذاتية لحقيقة الوجود الإنساني، إلا أن معجم النص ورد متداولا في غالبيته، متسما بالبساطة والسهولة، بعيدا عن التعقيد اللفظي، وغنيا بالدلالات الإيحائية. حقوله المهيمنة مرتبطة بالذات (نفسي، يخلبني، يجذبني...) والطبيعة ( الأرض، البحار، الزهرات...)، ويعكس اكتساحا واضحا لحقل الذات- للمشهد الفيزيائي- مقارنة بحقل الآخر، وهذه سمة من سمات خطابات المدرسة الرومانسية.

6. البنية الإيقاعية: 

   إيقاعيا، ظل الشاعر وفيا لمواضعات المدرسة الوجدانية في ثورتها على الأنساق العروضية القديمة. هذه الثورة تتجلى في النص في الجمع بين نظام الشطرين والنسج على أسطر شعرية متفاوتة الطول، وتنويع القوافي وحرف الروي، تبعا لتغاير أفكار الشاعر وعواطفه. 

   ومن أهم مظاهر التجديد في القصيدة كذلك استشراف نظام المقاطع الشعرية المرتبطة بلازمة، وهو نظام جديد لن يتبلور كلية إلا مع تجربة تكسير البنية. 

 ولإغناء إيقاعية النص والرفع من مستويات الانسجام فيه، وردت مقاطع النص حافلة بمظاهر التكرار : تكرار الكلمات ( نفسي، مضى، انقضى، ولى...) وتكرار الصيغ الصرفية ( فعال، فعيل،..)، وتكرار اللازمة. كما يمكن أن نلمس تكثيفا للصوامت الطويلة خاصة الألف.  والتكرار في مجمله يتجاوز الدلالة المعجمية للمكونات المعجمية المترددة، إلى وظيفة التعبير عن الحالة النفسية التي يعيش الشاعر على إيقاعها.

7. الصورة الشعرية 

   على مستوى الصورة الشعرية، عمد الشاعر إلى توظيف صور بيانية ساهمت في تكثيف المعاني وتجريدها، اعتمدت بالأساس على الاستعارة (قدت نفسي، سباني الفكر...) والكناية ( فإذا الكل هواء قبض ريح يا كريم...).، والتشبيه بدرجة أقل ( مثلما يفنى الجنون..). 

   والتعبير البياني، في النص، قائم على المجاز، تتجاوز الصور الشعرية في إطاره وظيفتها الجمالية، إلى وظيفة تعبيرية تكرس بلاغة الغموض، رغم أن العلاقة بين أطراف الصورة قريبة غير موغلة في التعقيد.

8. الأسلوب 

   وعلى مستوى الأسلوب، ولإبراز مظاهر التناقض والانفصال بين الشاعر وذاته، راهن الشاعر على المزج بين أسلوب السرد في بداية كل مقطع شعري، والحوار في نهايته، بشكل يمكن أن نقول معه إن الخطاب السردي يؤثث لمقام تواصلي حواري، تغلب عليه الجمل الخبرية على حساب بعض البنيات الإنشائية، كالاستفهام ( الأسطر 32/35)، والتعجب ( السطر 16).

   وإجمالا يمكن أن نعتبر أن أسلوب النص قد اضطلع بوظيفتين : إقناعية هدفها التأثير في قناعة الشاعر باستحالة الدوام والخلود، ووظيفة إمتاعية تنطوي على مختلف الصور الفنية الكفيلة بتحقيق غرض التأثير في المتلقي، وتداخل الوظيفتين سمة من سمات خطاب سؤال الذات.

9. الخلاصة التركيبية: 

   تبرز مستويات التحليل السابقة التزاما كبيرا بتعاقدات المدرسة الرومانسية سواء على مستوى الشكل، من خلال الثورة على النسق العروضي الكلاسيكي، أو على مستوى التصوير الفني- باعتماد الشاعر على صور شعرية تجاوزت وظيفتها التزيينية إلى وظيفة إقناعية- والمضمون بمحافظته على وحدة الموضوع وطبيعته المستلهمة من الذات في بعدها الفكري والوجداني. وكل هذه المستويات تؤكد صحة الفرضية المشار إليها آنفا في المقدمة.

الدكتور عمر عودى( 2014 ): مناهج قراءة النصوص الأدبية للسنة الثانية من سلك البكالوريا: مسلك الآداب والعلوم الإنسانية. الصفحة 53.



   




حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-