من أجود شعر الغربة في المدينة: لا شيء يعجبني لمحمود درويش


من أجود شعر الغربة في المدينة: لا شيء يعجبني:

    

محمود درويش.   
      

سياق القصيدة:

  عندما يحس الشاعر أن واقع مدينته قد تغير. وأن هذ التغير قادها إلى نقطة اللاعودة، بفعل تبدل معماريتها التي طمست رواء هويتها، وأصبحت لا تتماشى مع واقع العرب بعد النكبة، يفيض شعره بهذا الإحساس، إحساس بالغربة .

  هذه المدينة أضحت مخيفة بعدما شيأت الانسان وحولته إلى كومة من القيم المصطنعة. وقد زادها رعبا عجز الشاعر عن الهرب منها بعدما أضحت تحاصره حتى كادت تخنقه.

  هذا الواقع هو بالضبط ما يعبر عنه  محمود درويش في هذه الرائعة بإحساسه المعهود.

 نص القصيدة:


"لا شيءَ يُعْجبُني"
يقول مسافرٌ في الباصِ – لا الراديو
ولا صُحُفُ الصباح, ولا القلاعُ على التلال.
أُريد أن أبكي.

يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المحطَّةِ
وابْكِ وحدك ما استطعتَ.

تقول سيّدةٌ: أَنا أَيضاً. أنا لا
شيءَ يُعْجبُني. دَلَلْتُ اُبني على قبري،
فأعْجَبَهُ ونامَ، ولم يُوَدِّعْني.

يقول الجامعيُّ: ولا أَنا، لا شيءَ
يعجبني. دَرَسْتُ الأركيولوجيا دون أَن
أَجِدَ الهُوِيَّةَ في الحجارة. هل أنا
حقاً أَنا؟

ويقول جنديٌّ: أَنا أَيضاً. أَنا لا
شيءَ يُعْجبُني. أُحاصِرُ دائماً شَبَحاً
يُحاصِرُني.

يقولُ السائقُ العصبيُّ: ها نحن
اقتربنا من محطتنا الأخيرة، فاستعدوا
للنزول.
فيصرخون: نريدُ ما بَعْدَ المحطَّةِ،
فانطلق.

أمَّا أنا فأقولُ: أنْزِلْني هنا. أنا
مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبتُ
من السِّفَرْ.




حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-